الأحد، مارس 04، 2012

منهج التوفيق بين فقه الشريعة وفقه الواقع | الصومال – شبكة الشاهد الإخبارية

منهج التوفيق بين فقه الشريعة وفقه الواقع | الصومال – شبكة الشاهد الإخبارية

منهج التوفيق بين فقه الشريعة وفقه الواقع

3 مارس، 2012

avatar

القرآن هو كتاب الله المنزل لهداية البشرية من الظلمات إلى النور ومن الجهل إلى العلم ومن الفرقة إلى الألفة ومن التخلف إلى التقدم وهو خاتم الكتب ومهيمنا عليها وتعهد الله بحفظه مبنى ومعنى وجمع الله فيه الهداية والإعجاز ومن أجل أن يؤتى القران ثماره على أكمل وجه فقد جاء الرسول ليبين من خلال أفعاله وأقواله منهج فهم النصوص وطريقة تنزيلها على الواقع

قال تعالى : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. حددت هذه الآية ثلاث مهمات أساسية:

  • تلاوة آيات القران على المدعو
  • تربية المدعوين التي تجمع بين التخلية والتحلية
  • تعليمهم منهج فهم النصوص وكيفية تنزيلها على الوقائع والأحداث

ويعرف الدكتور يوسف القرضاوي الحكمة فيقول : الحكمة هي حسن الفهم للكتب والتفقه في أحكامها بحيث يعرف مقاصدها وأسرارها ولا يقف عند ظواهرها ويعرف ما وراء أحكامها وتوجيهاتها من المنافع والمصالح الجامعة لخيري الدنيا والآخرة وسعادة الفرد والمجتمع في مادياتها ومعنوياتها بحيث يدفع هذا الفقه المنشود إلى حسن العمل بها ووضعها في موضعها الملائم.العقل والعلم في القران الكريم ص 198

ومنهج العلماء في التوفيق بين فقه الشرع والخبرة بالواقع يعتمد على قواعد أساسية لفهم النص واستدعاء النص في المكان المناسب وفي وقت المناسب وفي القدر المناسب ومن أهمّ هذه القواعد ما سنتكلم عنها في السطور الآتية :

والشرع :عبارة عن مجموعة من الأحكام التي أنزلها الله للناس على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقام الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغها.

الواقع: :كل ما يكوّن حياة الناس في جميع مجالاتها بكل مظاهرها وظواهرها وأعراضها وطوارئها.

وفقه الواقع هو: تفاعل النص مع الواقع أو هو فقه التنزيل.

أولاً : القراءة الكلية للنص:

لأنّ النص لا يمكن أن يفهم بعيدا عن النصوص ذات الصلة بالموضوع وبعيدا عن المقاصد العامة للشريعة، ونتيجة القراءة الجزئية للنصوص ذهبت جماعة من المسلمين أنّ المؤمن لا تضره معصية ولو كانت كبيرة واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلاّ الله مخلصا من قلبه فهو في الجنة وإن زنى وسرق.
بحيث ذهب فريق آخر بأنّ صاحب المعصية ولو كانت من الصغائر كافر ولا قيمة لأعماله الصالحة واستدلوا بحديث قوله صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. وكذلك دعوى كثير من الشباب أنّ لبس الثوب إذا زاد عن الكعبين حرام واستدلوا الحديث ( ما أسفل من الكعبين فهو في النار ) والأحاديث التي جاءت بالوعيد لمن يسبل إزاره ، ولم يدركوا أنّ هذه الأحاديث مطلقة قد قيّدتها أحاديث أخر حيث حصرت أحاديث الوعيد لمن فعل ذلك على سبيل الفخر والخيلاء ومنها حديث ابن عمر ( من جرّ ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) والحديث الثاني من جرّ إزاره لا يريد بذلك إلاّ المخيلة فإنّ الله لا ينظر إليه يوم القيامة ) والحديثان في المسلم.

وكذلك من يزجر ويشدد من يشرب قائما لورود الحديث الصحيح في النهي عن الشرب قائما ومن نسي فليستقي. مع أنّ هناك أحاديث تجيز الشرب قائما كما أخرج الإمام البخاري تحت عنوان ( باب الشرب قائما ) ولم يذكر في الباب حديث واحد من أحاديث النهي بل ذكر أحاديث كثيرة تجيز ذلك وروى عدد من الصحابة وجاء في الموطأ : أنّ عمر وعثمان وعليا كانوا يشربون قياما وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأسا وصحح الإمام الترمذي أحاديث جواز الشرب قياما.والمسألة لا تستحق التشديد والإنكار. كما شددوا وأثاروا ضجة كبيرة في المساجد بسبب الدعاء الجماعي في أعقاب الصلوات على أساس أنّها بدعة مخالفة لما هو معروف من فعل النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده ولا يعرفون أنّ الإمام الكبير أبا سعيد بن لب في زمن الإمام الشاطبي عندما أثاروا زومعة في المساجد ردّ عليهم بكتاب سماه : لسان الأذكار والدعوات مما شرع في أدبار الصلوات.

ذهب فيه إلى اعتبار الدعاء الجماعي عقب الصلوات مما له أصل على الجملة وأنّ عدم وجوده في عمل السلف لا يدل على منعه وإن كان يدل على جواز تركه وأطال الكلام في المسألة. والذي جعلهم ينكرون هو عدم إحاطتهم للأدلة وقراءتهم الجزئية للنصوص.

ثانيا : القراءة المستصحبة لمقاصد الدين:

هناك كثير من الشباب يقرأؤن النصوص قراءة حرفية ظاهرية قراءة لا تتجاوز المبنى إلى المعنى بحيث يركزون بالحفظ للنص في الذاكرة على حساب التعقل والتدبر. وهذا يخالف منهج الصحابة في فهم النصوص حيث كانوا يرون فقه القران فريضة وإلى حفظه نافلة ولا يمكن أن تصبح الفريضة نافلة والنافلة فريضة. قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن). محمد 24

ولقد خصص الإمام الشاطبي لمعالجة هذا الموضوع فصلا في كتابه الموافقات سماه: المعاني هي المقصودة.

وهذه الظاهرة هي نتيجة طبيعية لبروز عدد كبير من المتشيخين أو المتعالمين يغرّدون خارج السرب دون أن يتمرسوا بالفقه وأصوله ولم يعرفوا مذاهب العلماء في الاستنباط ولم يهتموا بدراسة مقاصد الشريعة وتعليل الأحكام ورعاية المصالح وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال. ولذالك يحرّمون كل أنواع الصور الفوتوغرافية وتقوم معركة من أجل حلق اللحية أو تحريك الأصبع في التشهد. كما استدلوا قوله تعالى : وليس الذكر كالأنثى. إل عمران 36 على أنّ الذكر أفضل من الأنثى مع أنّ الآية تثبت الغيرية ولا تثبت فضلا لأحد على أحد.

ولابد من معرفة مراتب الناس مع الأعمال وأنّ الأصل في العبادات هو التعبد دون نظر إلى ما فيها من مصالح ومقاصد بخلاف العادات فالأصل فيها هو النظر إلى ما فيها من مصالح ومقاصد وأنّ المأمورات مراتب ودرجات فهناك مستحب وسنة مؤكدة وواجب وفرض وأنّ الفرض نوعان عيني وكفائي وهناك أركان وهناك قربات فردية وقربات جماعية وهناك أعمال القلوب وأعمال الجوارح وأنّ المنهيات مراتب كذلك فهناك مكروه تنزيها ومكروه تحريما وهناك مشتبهات ومنها الحرام الصريح والحرام نوعان كبائر وصغائر والكبائر تتفاوت فمنها موبقات وهكذا.

ومن يتتبع منهج الرسول صلى الله عليه وسلم يجد كيف كان يهتم بمراتب الناس في الأعمال.، يجد أجوبة متعددة لسؤال واحد نظراً لتعدد السائلين واختلاف أحوالهم ومن يقرا سيرة الرسول يلاحظ كيف كان يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم حسب أفهماهم وقدراتهم. أخرج البخاري موقوفا على علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله) صحيح البخاري بفتح الباري 127.

كما كان يراعي أحوالهم في الشدة والرخاء وفي المنشط والمكره.كما قال : (لا تقطع الأيدي في السفر ولولا ذلك لقطعته).أخرجه أبو داود
وكان يلبّي حاجات الناس ويرأف بهم.وقد قال لمعاذ: (يامعاد أفتان أنت ثلاث مرات…….إذا صلّى أحدكم بالناس فليخفف فإنّ فيهم الضعيف والسقيم)……أخرجه البخاري الفتح 703

ثالثاً: عدم الخلط بين البُعدين الرسالي والبشري في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم:

تجتمع في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بعدين أساسيين في حياته بُعد بشري يحمل كل صفات البشر يخطأ ويصيب يفرح ويحزن يبكي ويضحك ويأكل كما نأكل ويمشي في الأسواق ويؤكد على هذا البعد أنّه كان يستشير على أصحابه ويسأل أهل الخبرة والتخصص في مجالهم. وَلِذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْهُ : ” إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِمَا أَسْمَعُ ، وَأَظُنُّهُ صَادِقًا ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ متفق عليه. فيثبت لنفسه جانب بشريته. ولا بد من فصل بين ما هو اجتهاد بشري أو عادة اجتماعية كنوع أكلاته وطريقة مشيه ونوع ملابسه وألوانها وأحجامها وبين ما هو وحي يجب إتباعه.

البُعد الثاني هو البعد الرسالي الذي يبلّغ عن الله بكليات الشريعة ومقاصدها التي يغلب عليها الثبات إلاّ أساليب التنزيل وآليات التطبيق. وهو بُعد يسدده الوحي إذا أخطأ فيرجع عما عزم عليه أو همّ به أو فعله كأخذه الفدية من أسرى بدر وتحريم زوجاته وعبوسه في وجه عبد الله بن أم مكتوم.

وحدث خلط ومزج بين هذين البُعدين عند كثير من الشباب وقلّت فيهم ضوابط الفصل بين الأمرين فوقع الفصام بين الفريقين.

فريق يطوّع في منهج الرسول وسنته على الجانب النظري القابل للاجتهاد ما عدا الشعائر التعبدية والآخر يجعل كل ما صدر عن الرسول من فعل وقول واجب الإتباع حتى الأحكام والتوجيهات المرتبطة بدائرة السياسات وإدارة الدولة وشؤون الرعية. وهذا كله بسبب عدم القراءة الكلية للنصوص وعدم القراءة المقاصدية للنص.

رابعاً : معرفة الثوابت من المتغيرات في الإسلام:

هناك أمور في الفقه الإسلامي تحتاج إلى فهم عميق ودقيق وإلى ميزان واضح لتأخذ قدرها المقدر ومكانها المناسب في زمانها المناسب وبحجمها المناسب.
وإلاّ ستتعطل الحياة وتنقلب الموازين رأسا على عقب سيتحول مبدأ التسامح والتغافر إلى التباغض والتنافر ومبدأ التكامل إلى التآكل وستنقلب السنن إلى الفرائض والمباحات إلى مكروهات والجزئيات إلى الكليات والوسائل إلى المقاصد.

وهناك من يعيش في أزمة فقهية لم يشعر عظمة الإسلام ولم يعرف كيف جمع الإسلام بين ثبات مقاصده وكلياته وحدوده وقيمه وبين تغّير وسائله ومرونة جزئياته وتأقلمه مع تطورات العصر. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. والفقيه هو من يدرك هذه الفروق ويعطي كل ذي حق حقه.

ومن خصائص الشريعة أنّها تجمع بين الثبات والمرونة فالثبات في الأصول والأهداف والمرونة في الفروع والوسائل فبثباته يقاوم على الذوبان والميوعة والانحلال وبمرونته يلائم كل جديد ، فالثبات في الأحكام التي جاءت بها النصوص المحكمة والقطعية وأجمعت الأمة عليها كفريضة الصلاة وتحريم الربا والزنى فلا يجوز نقاش في موضوع الزكاة اكتفاء بالضرائب أو إباحة الزنى والخمر ترغيبا وتشجيعا في السياحة ، والمرونة في الأحكام التي جاءت بها النصوص الظنية وفيما لا نص فيه وقد يعتمد الفقهاء القياس إلى المصلحة إلى الاستحسان إلى العمل بشرع من قبلنا إلى الأخذ بقول الصحابي وقد يعتمد الفقهاء إلى قواعد مأخوذة من استقراء النصوص والوقائع مثل: الضرر يزال…الضرر لا يزال بالضرر…..يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام…يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى…الضرورات تبيح المحظورات…ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها……المشقة تجلب التيسير….درء المفسدة يقدم على جلب المصلحة……

وقد يُمنع المباحات لمصلحة عامة كما منع الرسول صلى الله عليه وسلم من ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام عندما كان بالناس جهد ومجاعة. ومنع عمر بن الخطاب من الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان أن يتزوج يهودية وطلب أن يخل سبيلها حتى لا يقتدي به المسلمون خوفا من كساد سوق الفتيات المسلمات.

المراجع:

  1. تفسير القران العظيم لابن كثير
  2. العقل والعلم في القرآن الكريم يوسف القرضاوي
  3. الموافقات في أصول الشريعة الإمام الشاطبي
  4. فقه الواقع أصول وضوابط أحمد بوعود
  5. انتقام الأفكار فؤاد البنا
  6. الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف يوسف القرضاوي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أضف جديد هذه المدونة إلى صفحتك الخاصة IGOOGLE

Add to iGoogle

المتابعون